منير سلطان

92

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

المعرفة ولذلك قال بعده « الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ » وبيّن تعالى عظم شأن القرآن بقوله من بعده « ولو أن قرآنا سيّرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلّم به الموتى » وجواب ذلك محذوف ، والمراد لكان هذا القرآن وذلك يدل على أنه في الفصاحة قد بلغ نهاية الرتبة وأنه صار معجزا لذلك » « 1 » . وقد عدد في مواضع من كتابه هذا ، كيف أن القرآن يعد في كمال الفصاحة « 2 » وفي « شرح الأصول » يقول : فإن قيل ما وجه الإعجاز في القرآن ؟ قلنا : هو أنه تحدى بمعارضة العرب مع أنهم كانوا هم الغاية في الفصاحة ، والمشار إليهم في الطلاقة والذلاقة وقرّعهم بالعجز عن الإتيان بمثله ، فلم يعارضوه وعدلوا عنه « 3 » . ثم نرى القاضي يعرض لقضية الفصاحة من جانبها الجدلي ، قبل أن يوضح نظرته في الفصاحة نفسها ، فالعرب لم يعارضوا القرآن ، ولم يأتوا بمثله لتعذر ذلك عليهم ، وإنما تعذر لما يختص به القرآن من المزية في الفصاحة ، وهذه المزية يصح التحدي بها ، فللكلام الفصيح مرتب ونهايات وأن جملة الكلمات وإن كانت محصورة فتأليفها يقع على طرائق مختلفة الوجوه ، فتختلف لذلك مراتبه من بعض ، ويزيد عليه قدرا يسيرا أو كبيرا ، وما هذا حاله فالتحدي صحيح فيه ، لأن فيه مقادير معتادة تصح فيها زيادات في المراتب غير معتادة « 4 » . أي أن الإنسان - ذلك القادر على أفعاله عند المعتزلة - وقدرته على الكلام إحدى جوانب هذه القدرة - هذا الإنسان لا يحتاج لكي يعارض القرآن إلى توافر القدرة عنده ، بل يحتاج إلى أن يجمع للقدرة العلم بكيفية الفصاحة ومراتبها ، لأن الكلام منه الفصيح ومنه الركيك ، ومنه ما يصعد من الأكثر فصاحة إلى الأفصح وإلى المتناهى في الفصاحة ، وكذا منه ما يهبط نفس الدرجات .

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - تنزيه القرآن عن المطاعن - 203 . ( 2 ) انظر المصدر السابق 158 و 221 و 271 و 476 . ( 3 ) القاضي عبد الجبار - شرح الأصول الخمسة - 586 . ( 4 ) القاضي عبد الجبار - اعجاز القرآن - 214 .